أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

656

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1088 - لا أقعد الجبن عن الهيجاء * ولو توالت زمر الأعداء « 1 » والثاني : أنها لابتداء الغاية ، والمعنى أنّ محسبة الجاهل غناهم نشأت من تعفّفهم لأنه لا يحسب غناهم غنى تعفف ، إنما يحسبه غنى مال ، فقد نشأت محسبته من تعفّفهم ، وهذا على أنّ تعفّفهم تعفف تام . والثالث : أنها لبيان الجنس ، وإليه نحا ابن عطية ، قال : « يكون التعفف داخلا في المحسبة ، أي : إنه لا يظهر لهم سؤال بل هو قليل ، فالجاهل بهم مع علمه ، بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه ، ف « من » لبيان الجنس على هذا التأويل . قال الشيخ « 2 » : « وليس ما قاله من أنّ « من » هذه في هذا المعنى لبيان الجنس المصطلح عليه ، لأنّ لها اعتبارا عند القائل بهذا المعنى وهو أن تتقدّر « من » بموصول ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف كقوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ « 3 » يصحّ أن يقال : الذي هو الأوثان ، ولو قلت هنا : « يحسبهم الجاهل أغنياء الذي هو التعفف » لم يصحّ هذا التقدير ، وكأنه سمّى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس أي : بيّنت بأيّ جنس وقع غناهم ، أي : غناهم بالتعفف لا غنى بالمال ، فسمّى « 4 » « من » الداخلة على ما يبيّن جهة الغنى ببيان الجنس ، وليس المصطلح عليه كما قدّمناه ، وهذا المعنى يؤول إلى أن « من » سببية ، لكنها تتعلق بأغنياء لا ب « يحسبهم » . انتهى . وتتعلّق « من » على الوجهين الأوّلين ب « يحسبهم » . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن تتعلّق بمعنى « أغنياء » لأنّ المعنى يصير إلى ضد المقصود وذلك أنّ معنى الآية أنّ حالهم يخفى على الجاهل بهم فيظنّهم أغنياء ، ولو علّقت « من » بأغنياء صار المعنى أنّ الجاهل يظنّ أنهم أغنياء ولكن بالتعفف ، والغنيّ بالتعفف فقير من المال » . انتهى ، وما قاله أبو البقاء يحتمل بحثا . وأما على الوجه الثالث - وهو كونها لبيان الجنس - فقد صرّح الشيخ بتعلّقها بأغنياء ، لأن المعنى يعود إليه ، ولا يجوز تعلّقها في هذا الوجه بالحسبان ، وعلى الجملة فكونها لبيان الجنس قلق المعنى . والتعفّف : تفعّل من العفّة ، وهي ترك الشيء ، والإعراض عنه مع القدرة على تعاطيه ، قال رؤبة : 1089 - فعفّ عن أسرارها بعد الغسق * ولم يدعها بعد فرك وعشق « 5 » وقال عنترة : 1090 - يخبرك من شهد الوقيعة أنّني * أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم « 6 » ومنه : « عفيف الإزار » كناية عن حصانته . وعرّف التعفف لأنه سبق منهم مرارا فصار كالمعهود ، ومتعلّق التعفف ، محذوف اختصارا . أي : عن السؤال ، والأحسن ألّا يقدّر . قوله : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ السّيما - العلامة ويجوز مدّها وإذا مدّت فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد للإلحاق : إمّا واو ، وإمّا ياء ، فهي كعلباء ملحقة بسرداح ، فالهمزة للإلحاق لا للتأنيث وهي منصرفة لذلك .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البحر المحيط ( 2 / 329 ) . ( 3 ) سورة الحج ، آية ( 30 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 329 ) . ( 5 ) انظر ديوانه ( 104 ) ، البحر ( 2 / 316 ) . ( 6 ) البيت عن معلقته انظر ديوانه ( 209 ) ، شرح القصائد العشر ( 362 ) ، الشنقيطي ( 116 ) .